عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

128

اللباب في علوم الكتاب

وحمزة والكسائي بعكس هذا « 1 » ، ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، وتوجيه هذه القراءة بأحد معنيين : الأول : أنّ الواو لا تقتضي الترتيب ، كقوله : وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [ آل عمران : 43 ] فلذلك قدم معها ما هو متأخر عنها في المعنى ، هذا إن حملنا ذلك على اتحاد الأشخاص الذين صدر منهم هذان الفعلان . الثاني : أن تحمل ذلك على التوزيع ، أي : منهم من قتل ، ومنهم من قاتل كقولهم : قتلنا وربّ الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل فيهم وهذه الآية في المعنى كقوله : قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ آل عمران : 146 ] والخلاف في هذه كالخلاف في قوله : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [ التوبة : 111 ] والتوجيه هناك كالتوجيه هنا . وقرأ عمر بن عبد العزيز « 2 » وقتلوا وقتلوا - ببناء الأول للفاعل ، والثاني للمفعول - من « فعل » ثلاثيا ، وهي كقراءة الجماعة ، وقرأ محارب بن دثار « 3 » : وقتلوا وقاتلوا - ببنائهما للفاعل - وقرأ طلحة بن مصرّف « 4 » : وقتّلوا وقاتلوا ، كقراءة حمزة والكسائي ، إلا أنه شدد التاء ، والتخريج كتخريج قراءتهما . ونقل أبو حيّان - عن الحسن وأبي رجاء - قاتلوا وقتّلوا ، بتشديد التاء من « قتّلوا » وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر - كما تقدم - وكأنه لم يعرف أنها قراءتهما . فصل [ في تفسير الآية ] فصل هذه في المهاجرين الذين أخرجهم المشركون من ديارهم ، فقوله : وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي : في طاعتي وديني . لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً قوله : « ثوابا » في نصبه ثمانية أوجه : أحدها : أنه نصب على المصدر المؤكد ؛ لأن معنى الجملة قبله تقتضيه ، والتقدير : لأثيبنّهم إثابة أو تثويبا ، فوضع « ثوابا » موضع أحد هذين المصدرين ؛ لأن الثواب - في الأصل - اسم لما يثاب به ، كالعطاء - اسم لما يعطى - ثم قد يقعان موضع المصدر ، وهو نظير قوله : صُنْعَ اللَّهِ [ النمل : 88 ] و وَعْدَ اللَّهِ [ القصص : 13 ] في كونهما مؤكدين . ثانيها : أن يكون حالا من « جنّات » أي : مثابا بها - وجاز ذلك وإن كانت نكرة ؛ لتخصصها بالصفة .

--> ( 1 ) انظر السابق . ( 2 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 558 ، والبحر المحيط 3 / 152 ، والدر المصون 2 / 289 . ( 3 ) السابق . ( 4 ) السابق .